رواية بروميثانا...في حفلة تنكُّريَّة

  • عرض 2 صورة

بلاغة في السُّؤال والمعنى للكاتب أحمد أبو سليم

لا أَميل في كثير من قراءاتي إلى التَّعويل على العتبات الخارجيَّة وفق تصوُّر جيرار جينيت للنَّصِّ وما يحيط به من نصوص موازية، لكن في رواية أَحمد أَبو سليم "بروميثانا" "الصَّادرة مؤخَّراً عن دار هبة ناشرون، ودار الخليج للنَّشر-2020" استوقفتني عتبتها الخارجيَّة: بروميثانا، ما جعلني أَشذُّ عن عرفي.

تحيل مفردة العنوان بما تثيره من أُفق توقُّع وانتظار إلى معنى "البروميثانا" الحقيقيِّ والمتعارف عليه معجميَّاً وثقافيَّاً، أَي "سرقة النَّار" وأَيضاً بما تحيل إليه من معان ودلالات لا تنفصل عن وظيفة (المغتصب) الَّذي يعتاش على السَّرقة، أَيَّاً كان نوع هذه السَّرقة.

تنتمي الرِّواية إلى روايات الشَّخصيَّات، وليس إلى روايات الحدث، فنحن أَمام شخصيَّات مختلفة الهُويَّات والمشارب والأَحلام، تجتمع في سِفرِ الفلسفة، صانعة أَحداث الرِّواية، ومسرح حكايتها، وهذه الصُّورة الَّتي رسمها الرَّاوي ليست الوحيدة الَّتي تكشف عن نظرة استعلاء أَو علاقة فوقيَّة بين الخوف والنَّار، بل تتوالى الشَّواهد بطريقة ساخرة عبر شخصيَّة "دحدل"، إنَّه الاسترخاء من تداعيات وتأثيرات النَّار، الَّتي تُعدُّ في نظري البطل الحقيقيَّ للرِّواية، والرَّاوي الأَصيل لها.

كان تأثير الصَّفحات الأُولى من الرِّواية قويَّاً ونفَّاذاً إلى درجة أَنَّني شعرتُ بعدم الحاجة إلى الإكمال مع كلِّ تلك المشاعر المتضاربة، وكأنَّ إعصاراً ضرب مركز الذَّاكرة، وتركني في مواجهة أَسئلة عن الوجود والزَّوال، ثمَّ أَدركتُ بعد إنهائي للرِّواية على دفعة واحدة، أَنَّ الرِّواية أَرشيف للأَبيض والأَسود، لتفاصيل حياتنا اليوميَّة، وأَنَّها تنتمي إلى عالم كلاسيكيٍّ حفظ لنفسه قيمة ما، أَو فخامة ما، سمِّها حلاوة ما، على الأَقلِّ في أَذهان معتنقي السُّؤال والبحث عن شيء غير محدَّد، إنَّها فلسفة "بروميثانا" إنَّها رواية الهمِّ الاجتماعيِّ تدور أَغلب أَحداثها في المدينة وشوارعها، وعماراتها السَّكنيَّة، والمقاهي، والمواصلات، وأَماكن العمل، وترصد في مجملها أَحوال البسطاء المهمَّشين، وحيلهم وسط كلِّ ذلك، ووسط ظروف شديدة القسوة، وثمَّة إشارات إلى العنوسة، والحرمان الجنسيِّ، والوحشة، والصَّمت المخيِّم على النَّاس بلا سبب واضح، وهي أَيضاً القصص الَّتي اتَّصفت بدرجة أَكبر بآليَّات كتابة السِّيناريو والحوار، ورسمت شخصيَّات حيَّة واضحة.

ثمَّة أَفكار جديرة بالتَّأَمُّل في الرِّواية، تخصُّ السُّلطة وشكل العلاقة بها، تلك السُّلطة الَّتي غالباً ما رُمز لها بالسُّؤال الوجوديِّ: من نحن؟

"بروميثانا" رواية إنسانيَّة بامتياز، تكترث بالإنسان، ومحنة وجوده أَوَّلاً وأَخيراً، ولا تفرِّق بين قسوة الجوع والحرمان والوحدة وبين حيرة السُّؤال عن معنى الموت والوجود.

الكلمات المفتاحية رواية بروميثانا

مقالات مشابهه

من قسم آخر


التعليقات

ضعي تعليقَكِ هنا

التقيمات

راديو القمة

radio

فيس بوك

a
;